العربية التي لا تعرفونها !
بقلم :
د/ علاء المصري
ماذا لو كانت اللغة العربية أذكى مما نتصور؟
حين نتحدث عن اللغة العربية، نكرر عبارات محفوظة: لغة الضاد، لغة القرآن، لغة الشعر، لغة الفصاحة والبيان...
لكنني أريد أن أطرح سؤالًا مختلفًا:
هل نحن نعرف اللغة العربية فعلًا؟
أم أننا نعرف منها ما سمح لنا المنهج المدرسي أن نعرفه؟
لقد حوّلنا العربية في أذهان كثير من أبنائها إلى مجموعة من القواعد:
ارفع الفاعل، وانصب المفعول، واجزم المضارع، واحفظ الأوزان، وأعرب الجملة!
ثم نتساءل بعد ذلك:
لماذا لا يحب الطلاب اللغة العربية؟
ربما لأننا قدمنا لهم الهيكل ونسينا أن نكشف لهم الروح.
فاللغة العربية ليست مجموعة قوانين جامدة، وإنما نظام مذهل يستطيع أن يغيّر شكل الكلمة ليغيّر معناها، ويغيّر حركة واحدة في الجملة فيتغيّر المعنى، ويشتق من الجذر الواحد عائلة كاملة من الكلمات تجمعها صلة دقيقة.
تأملوا مثلًا الجذر:
ع ل م
منه:
عَلِمَ، يَعْلَمُ، عِلْم، عالِم، معلومة، تعليم، معلِّم، متعلِّم، استعلام، إعلام...
كأن الكلمة العربية لا تعيش وحدها؛ بل لها عائلة ونسب وذاكرة.
وهنا تكمن إحدى روائع العربية:
الكلمة ليست مجرد صوت؛ إنها فكرة تتحرك.
العربية لا تقول الكثير... بل تستطيع أن تقول الكثير بالقليل
قد تقول لشخص:
"أكرمتُه."
فتقول الجملة شيئًا بسيطًا.
لكن إذا قلت:
"ما أكرمتُه."
تغيّر المعنى.
وإذا قلت:
"إنما أكرمتُه."
أصبح في الكلام معنى الحصر.
وإذا قلت:
"ما أكرمتُ إلا إياه."
أصبح المعنى أكثر تحديدًا.
حروف قليلة، لكن وراءها طبقات من الدلالة.
وهنا لا ينبغي أن نعلّم الطالب أن النحو مجرد حركات على أواخر الكلمات.
النحو في حقيقته هندسة للمعنى.
---
هل يمكن أن تكون الحركة حرفًا؟
في بعض المواضع، حركة واحدة تستطيع أن تقلب المعنى أو تغيّر الوظيفة النحوية.
تأمل:
"ما أجملَ السماءَ!"
و:
"ما أجملُ السماءِ؟"
الأولى تعجب، والثانية استفهام عن الأجمل.
مجرد اختلاف في البناء والحركة، فإذا بالمعنى ينتقل إلى منطقة أخرى.
ولهذا فإن من يدرس العربية دراسة عميقة لا يرى الضمة والفتحة والكسرة مجرد علامات؛ بل يراها مفاتيح للمعنى.
---
والعربية ليست لغة الماضي!
فمن أكثر الأفكار ظلمًا للعربية أن نتعامل معها باعتبارها لغة عظيمة لأنها كانت عظيمة.
العربية ليست متحفًا.
فهي ليست قصائد معلقة على جدران الماضي.
وليست كتابًا قديمًا نفتح صفحاته في المناسبات.
العربية لغة تستطيع أن تصف الهاتف كما وصفت الناقة، وأن تصف الذكاء الاصطناعي كما وصفت العقل، وأن تكتب بها العلم كما كتبت بها الشعر.
المشكلة ليست دائمًا في اللغة.
أحيانًا تكون المشكلة في الطريقة التي نقدم بها اللغة.
فإذا قدمناها للطالب باعتبارها امتحانًا، هرب منها.
وإذا قدمناها باعتبارها لغزًا، خاف منها.
أما إذا قدمناها باعتبارها أداة للتفكير والتعبير والإبداع، فقد يكتشف أنه كان يحبها دون أن يعرف.
---
أخطر سؤال!
ربما ليس السؤال:
"كيف نجعل الطلاب يحبون العربية؟"
بل:
"هل نُدرِّس العربية بالطريقة التي تجعلها جديرة بالحب؟"
هذا السؤال وحده يستحق أن نعيد بسببه النظر في كثير من طرائقنا.
فالطالب الذي يحفظ تعريف " المفعول المطلق " ثم لا يستطيع أن يستخدمه في كتابة فقرة، لم يتعلم " المفعول المطلق " حقًا.
والطالب الذي يحفظ عشرات القواعد ثم يخاف من كتابة فقرة عربية، لم يمتلك اللغة بعد.
والطالب الذي يعرف إعراب الجملة لكنه لا يستطيع أن يعبر عن فكرته بوضوح، ما زال بينه وبين العربية طريق.
فالغاية من اللغة ليست أن نعرف أسماء القواعد، وإنما أن نمتلك القدرة التي صنعتها هذه القواعد.
---
العربية تحتاج إلى ثورة في طريقة تقديمها
لا أقصد ثورة على العربية.
بل ثورة من أجل العربية.
ثورة تجعل الطالب يكتشف أن:
النحو = تفكير.
والبلاغة = صناعة للمعنى.
والصرف = هندسة للكلمة.
والقراءة = اكتشاف للعالم.
والكتابة = صناعة للفكرة.
والأدب = تجربة إنسانية.
وحين يفهم الطالب ذلك، قد يتوقف عن سؤال:
"أستاذ، هو إحنا بندرس الكلام ده ليه؟"
لأنه سيكتشف بنفسه الإجابة.
---
وأخيرًا...
ربما آن الأوان أن نتوقف عن الدفاع عن العربية وكأنها متهمة.
العربية لا تحتاج إلى من يقول إنها جميلة فقط.
العربية تحتاج إلى من يكشف جمالها.
لا تحتاج إلى من يكرر أنها لغة عظيمة.
بل تحتاج إلى من يجعل الجيل الجديد يكتشف عظمتها بنفسه.
ولعل أجمل مشروع يمكن أن نقدمه للعربية ليس أن نقول للطلاب:
"أحبوا لغتكم."
بل أن نجعلهم يصلون بأنفسهم إلى هذه النتيجة:
"كيف لم نكتشف هذا الجمال من قبل؟!"
فالعربية ليست لغة انتهى زمنها...
العربية لغة لم نكتشف كل أسرارها بعد.

إرسال تعليق