البابا ثيودوروس الثاني..
بطريرك بقلب أب
بقلم مارينا اشرف
من الإسكندرية إلى أعماق أفريقيا.. مسيرة كنسية وإنسانية تضع الإنسان في قلب الرسالة
حين تتحول المسؤولية الدينية إلى حضور حقيقي في حياة الناس، يتجاوز المنصب حدود اللقب، وتصبح القيادة ممارسة يومية للمحبة والعطاء. ومن هذا المنطلق، تبرز مسيرة قداسة البابا ثيودوروس الثاني، بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا للروم الأرثوذكس، بوصفها تجربة تجمع بين الرعاية الكنسية والعمل الإنساني، وتجعل من الإنسان وكرامته محورًا أساسيًا للرسالة.
فإلى جانب مكانته الكنسية، ارتبطت مسيرته بالاهتمام بالشباب والفئات الأكثر احتياجًا، انطلاقًا من رؤية تتجاوز حدود الإرشاد الروحي إلى مساندة الإنسان والاستجابة لاحتياجاته. وهي رؤية تؤكد أن قيمة القيادة لا تُقاس بالمكانة التي يشغلها صاحبها فحسب، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
من كريت إلى كرسي الإسكندرية
وُلد البابا ثيودوروس الثاني في 25 نوفمبر 1954 بجزيرة كريت اليونانية، باسم نيكولاوس هوريفتاكيس، وترهّب في دير أغاراثوس، قبل أن يتدرج في عدد من المسؤوليات الكنسية التي أسهمت في تشكيل خبرته الرعوية.
وفي 9 أكتوبر 2004، انتُخب بطريركًا على كرسي الإسكندرية للروم الأرثوذكس، ليتولى مسؤولية قيادة كنيسة تمتد رسالتها عبر القارة الأفريقية، بما تحمله من تنوع ثقافي واجتماعي، وما تواجهه مجتمعاتها من تحديات واحتياجات متباينة.
وتختصر عبارته: «قلبي وروحي ينبضان بحب الإسكندرية» جانبًا من علاقته بالمدينة التي تحتضن مقر البطريركية، وتحمل إرثًا تاريخيًا وروحيًا عريقًا في مسيرة المسيحية.
الخدمة.. حين يتحول الإيمان إلى فعل
منذ بدايات مسيرته، لم تنحصر اهتمامات البابا ثيودوروس الثاني في أداء المسؤوليات الكنسية، بل امتدت إلى قضايا الناس واحتياجاتهم اليومية. ففي سنوات خدمته الأولى بكريت، بين عامي 1975 و1985، أولى الشباب اهتمامًا خاصًا، وسعى إلى توفير سبل الرعاية والاستضافة لهم، إلى جانب مساعدة المحتاجين.
وتعكس هذه المسيرة مفهومًا للخدمة يقوم على تحويل المحبة من قيمة معنوية إلى ممارسة ملموسة؛ فالإيمان، في هذا الإطار، لا يقتصر على الكلمات والمواعظ، بل يتجسد في العمل الذي يساند الإنسان، ويحفظ كرامته، ويمنحه الأمل في مواجهة صعوبات الحياة.
ومن هنا، تتسع مسؤولية المؤسسة الدينية لتشمل، إلى جانب الرعاية الروحية، دعم المبادرات الاجتماعية والتعليمية والصحية التي تسهم في تحسين حياة الأفراد والمجتمعات.
أفريقيا.. حيث تتسع دائرة الرعاية
في أفريقيا، تكتسب رسالة الخدمة بُعدًا إنسانيًا خاصًا، لا سيما في المناطق التي تواجه ظروفًا اقتصادية واجتماعية قاسية. ففي منطقة نديراندي بمالاوي، ارتبطت جهود رعوية وإنسانية برعاية أطفال يعيشون في أوضاع صعبة، ومن بينهم أطفال يُشار إليهم باسم «أطفال القمامة».
وتتجاوز أهمية الاهتمام بهذه الفئات مجرد تقديم المساعدات المادية؛ إذ تبرز الحاجة إلى توفير الرعاية والحماية، وتعزيز شعور الأطفال بالقبول والانتماء، والتعامل معهم باعتبارهم أصحاب حقوق وكرامة، بصرف النظر عن الظروف التي يعيشون فيها.
وبالتوازي مع ذلك، امتدت أنشطة الكنيسة الأرثوذكسية في أفريقيا إلى دعم إنشاء الكنائس والمرافق التعليمية والطبية والمراكز الثقافية، في إطار رؤية تجعل خدمة الإنسان جزءًا لا يتجزأ من الرسالة الكنسية.
فالمجتمعات لا تحتاج إلى الرعاية الروحية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى التعليم والرعاية الصحية والفرص التي تساعد أبناءها على بناء مستقبل أفضل. ومن هذا المنظور، تتكامل أبعاد الخدمة لتشمل الإنسان في احتياجاته الروحية والاجتماعية والفكرية.
الشباب.. رهان المستقبل
يحظى الشباب بمكانة بارزة في الاهتمامات الرعوية للبابا ثيودوروس الثاني، انطلاقًا من أهمية الاستماع إلى تطلعاتهم، وتشجيعهم على المشاركة، ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم وتحمل المسؤولية.
وتعبّر عبارته: «أود أن أفتح ذراعي وأعانق أبنائي» عن روح أبوية تقوم على القرب والاحتواء، وتؤكد أهمية بناء علاقة إنسانية تقوم على الثقة والتواصل.
فالشباب لا يحتاجون إلى التوجيه فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى من يصغي إليهم، ويتفهم تحدياتهم، ويمنحهم مساحة للتعبير والمبادرة. كما أن الاستثمار في قدراتهم يمثل خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة المستقبل.
وفي الإسكندرية، يتصل هذا الاهتمام بالمبادرات المجتمعية وجهود تعزيز الحوار والصداقة بين الشعوب، بما يفتح آفاقًا أوسع للتفاهم والتعاون بين الأجيال والثقافات المختلفة.
التواضع وتقدير شركاء الخدمة
لا تقوم الخدمة الكنسية على جهود فرد واحد، بل تستند إلى عمل متكامل يشارك فيه الرهبان والآباء والخدام، ممن يكرسون وقتهم وجهدهم لخدمة الكنيسة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تقدير جهود العاملين في الحقل الكنسي، والاحتفاء بمن أمضوا سنوات طويلة في العطاء، باعتبار أن الاعتراف بالجهد المخلص يعزز روح الانتماء ويشجع على مواصلة العمل.
فالتكريم، حين ينبع من تقدير حقيقي، لا يكون مجرد مراسم رسمية، بل رسالة امتنان تعكس قيمة العمل الجماعي. والقيادة التي تمنح الآخرين حقهم من التقدير تسهم في ترسيخ ثقافة التعاون، وتؤكد أن نجاح المؤسسة هو ثمرة جهود أبنائها جميعًا.
بطريرك أفريقيا.. ورسالة تتجاوز الحدود
إن مسيرة البابا ثيودوروس الثاني تفتح المجال للتأمل في العلاقة بين القيادة الدينية والمسؤولية الإنسانية، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الكنسية في المجتمعات التي تتباين ظروفها واحتياجاتها.
فقيادة كنيسة تمتد عبر قارة بأكملها ليست مسؤولية محدودة بالحدود الجغرافية أو بالمهام الإدارية، بل تتطلب تواصلًا مستمرًا مع المجتمعات المحلية، وفهمًا لواقعها، واهتمامًا بما يواجه أبناءها من تحديات.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الرسالة الإنسانية باتساع نطاقها وحده، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنسان، والاستجابة لاحتياجاته، وتعزيز شعوره بالكرامة والانتماء.
وهكذا، تجمع مسيرة قداسة البابا ثيودوروس الثاني بين مسؤولية المنصب الكنسي ودفء الرسالة الإنسانية، لتقدم صورة للقيادة التي تستمد معناها من الخدمة، وتجد قيمتها في العطاء، وتؤكد أن المحبة الحقيقية تتجاوز حدود المكان والثقافة.
البابا ثيودوروس الثاني.. بطريرك بقلب أب، وراعٍ يحمل رسالة محبة تتجاوز الحدود، ويؤكد أن خدمة الإنسان تظل جوهر الرسالة وأصدق ما يتركه العطاء من أثر في القلوب

إرسال تعليق