كتبت: دكتور عبير شبل استشاري الصحة النفسية بمناسبة اليوم العالمي للصراع النفسي
بين ما نُخفيه وما نعيشه: كيف نجعل من الصراع النفسي بداية للتعافي؟
في طريق الحياة، كثيراً ما نجد أنفسنا خائضين في معارك لا يراها أحد، معارك لا تُسفك فيها الدماء، لكنها تُنهك الروح وتستنزف الطاقة. إنه الصراع النفسي؛ ذلك الصوت الداخلي والتناقض المستمر بين ما نريده وما نستطيعه، بين ما نشعر به وما نضطر لإظهاره، وبين رغباتنا الشغوفة والتزاماتنا الواقعية.
وبمناسبة الأيام العالمية المتخصصة في التوعية بالصحة النفسية والعقلية، يجدر بنا أن نتوقف لنلقي الضوء على هذا المفهوم الذي يمسّ تفاصيل حياتنا اليومية وحياة من نُحب.
ما هو الصراع النفسي؟
الصراع النفسي ليس مرضاً بالضرورة، بل هو حالة إنسانية طبيعية تحدث عندما تتصادم لدى الفرد قيمتان، أو خياران، أو مشاعر متناقضة في وقت واحد.
في العلاقات: يظهر الصراع بين الرغبة في القرب والاحتياج إلى الاستقلالية، أو بين الحب والخوف من التعلق والخذلان.
في الأسرة: ينشأ الصراع بين الالتزام بالمسؤوليات الوالدية والرغبة في تحقيق الذات، أو بين الحفاظ على هدوء البيت والتعبير الصريح عن الاحتياجات المُهمشة.
على المستوى الشخصي: يشتعل الصراع بين الذات الواقعية (من نحن الآن) والذات المثالية (من نتمنى أن نكون).
كيف يؤثر الصراع المُهمل على جودة حياتنا؟
عندما نتجاهل الصراعات الداخلية ونلجأ إلى إنكارها أو كبتها، لا تختفي هذه الطاقة، بل تتحول إلى مظاهر أخرى تؤثر على صحتنا النفسية والجسدية والعلاقية:
الإنهاك النفسي والجسدي: يستهلك العقل طاقة هائلة للسيطرة على الأفكار المتصارعة، مما يؤدي لأعراض جسدية مثل الصداع المزمن، واضطرابات النوم، والقولون العصبي.
التوتر في العلاقات: يترجم الصراع الداخلي غير المحسوم إلى ردود أفعال حادة، أو انسحاب مفاجئ، أو نوبات غضب غير مبررة تجاه الشريك أو الأبناء.
التسويف والشلل في اتخاذ القرار: العجز عن حسم الصراع بين الخيارات يجعل الفرد عالقاً في منطقة الحيرة والتأجيل المستمر.
خطوة بخطوة: كيف ندير صراعاتنا الداخلية بوعي؟
كاستشاريين، نؤكد دائماً أن الهدف ليس إلغاء الصراعات تماماً من حياتنا، فالصراع علامة على أن عقولنا وقلوبنا تحاول الفهم والتكيف. الهدف الحقيقي هو كيفية إدارة هذا الصراع بوعي ورحمة ذاتية:
الاعتراف: الخطوة الأولى للتعافي هي تسمية الأشياء بمسمياتها. بدلاً من التهرب منها
القبول : اعلم أن التناقض جزء من الطبيعة البشرية. يمكنك أن تحب شخصاً وتنزعج من تصرفاته في نفس الوقت، ويمكنك أن تطمح للأفضل وتكون ممتناً لما لديك حالياً.
التعبير الآمن: لا تترك أفكارك حبيسة ذهنك. اكتبها، أو تحدث عنها مع مختص نفسي، أو شاركها في بيئة آمنة تمنحك الدعم والتفهم دون إصدار أحكام.
إعادة ترتيب الأولويات: حسم الصراعات يتطلب أحياناً شجاعة التخلي؛ التخلي عن صورة مثالية غير واقعية، أو وضع حدود صحية في العلاقات لحماية سلامك الداخلي.
رسالة ختامية:
الصحة النفسية ليست حالة ثبات دائمة أو سعادة مطلقة، بل هي القدرة على المرونة والتعامل مع الصراعات والمشاعر المتناقضة دون أن نفقد صلتنا بصلابتنا الداخلية.
في هذه المناسبة، دعوة لكل منا لأن يكون أكثر رفقاً بنفسه وبمن حوله. افحص صراعاتك، تفهمها، ولا تتردد في طلب الدعم المتخصص عندما تشعر أن الحمل صار أثقل من أن تحمله بمفردك.

إرسال تعليق