رحمة محسن: التصميم يبدأ من المشكلة.. وليس من الشكل
باحثة مصرية توظف تجربة المستخدم والتصميم الشامل لتحويل احتياجات الأطفال إلى حلول رقمية ومكانية أكثر إتاحة
«التصميم ليس مجرد شكل جميل، وإنما عملية تبدأ بمشكلة حقيقية وتنتهي بحل يناسب الإنسان الذي نُصمم من أجله بإحتياجاته بتصميم يتمحور حول المستخدم ».. بهذه الرؤية تلخص الباحثة المهندسة رحمة محسن، أخصائي أول تصميم تجربة المستخدم بشركة أمان القابضة، فلسفة رسالة الماجستير التي ناقشتها بكلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، بعد رحلة امتدت لنحو خمس سنوات من البحث والدراسة والتطوير.
وقدمت الباحثة نموذجًا يجمع بين تصميم تجربة المستخدم المكانية، وتصميم المنصات والواجهات الرقمية في النموذج التصميمي للوحدة ، وإمكانية الوصول لتناسب الفئة المستهدفة، وصولًا إلى تصميم وحدة تعليمية تفاعلية متكاملة مع منصة رقمية لتقديم تجربة أكثر مرونة لتعزيز قدرة الأطفال ذوي الاعاقات الذهنية و العصبية على التركيز و الاندماج داخل العملية التعليمية.
■ تقولين إن التصميم يبدأ من المشكلة.. ماذا يعني ذلك؟
التصميم بالنسبة لي ليس مرحلة تجميل تأتي في نهاية المشروع، وإنما وسيلة لحل المشكلات.
نبدأ أولًا بفهم المشكلة، ثم نفهم المستخدم واحتياجاته والبيئة التي سيتفاعل معها، وبعد ذلك تتحدد عناصر الحل التصميمي.
لذلك لا أسأل في البداية: كيف سيكون شكل المنتج؟ بل: ما المشكلة؟ ومن المستخدم؟ وما الذي يمنعه من الحصول على تجربة أفضل؟
ومن إجابات هذه الأسئلة يبدأ التصميم الحقيقي.
■ وأين يأتي تصميم تجربة المستخدم في ذلك ؟
هنا يأتي دوره الأساسي. تصميم تجربة المستخدم يبدأ من فهم الإنسان قبل تصميم الواجهة.
ندرس رحلة المستخدم، واحتياجاته، والنقاط التي قد تسبب له صعوبة أو تشتتًا، ثم نحاول بناء تجربة تقلل هذه المشكلات.
في الرسالة لم يكن الطفل مجرد شخص سيستخدم المنصة بعد الانتهاء من تصميمها، بل كانت احتياجاته جزءًا من القرارات التصميمية منذ البداية.
■ لكن المشروع لديك لا يقتصر على تصميم شاشات تفاعلية فقط ؟
بالتأكيد، لأن تجربة المستخدم لا تحدث داخل الشاشة فقط.
لذلك عمل المشروع في مسارين متكاملين: تصميم داخلي للفراغ بإحتياجات المستخدم، المنصة الرقمية وتصميم الوحدة التعليمية المادية.
الفراغ الداخلي يعمل على توجيه المستخدم وبداية رحلته التعليمية، المنصة تنظم رحلة التعلم والمعلومات والتفاعل، بينما توفر الوحدة البيئة المادية المحيطة بالطفل. وكان من الضروري أن يعمل الاثنان كتجربة واحدة، لأن تغيير الشاشة وحدها لا يكفي إذا كانت البيئة نفسها لا تساعد المستخدم.
■ وكيف صُممت المنصة الرقمية
ركز التصميم على البساطة وتنظيم المعلومات وتقليل الحمل الإدراكي، بحيث لا يجد الطفل نفسه أمام عدد كبير من العناصر والاختيارات في الوقت نفسه.
تم تقديم الخطوات بصورة تدريجية، واستخدام رموز وتعليمات واضحة، مع منح الطفل إمكانية التوقف والعودة وطلب المساعدة واستكمال النشاط من آخر خطوة وصل إليها.
واستُلهم أسلوب تعلم البرمجة من منصة Scratch، التي تعتمد على تجميع الأوامر وربطها منطقيًا بصورة بصرية بدلًا من البدء مباشرة بكتابة الأكواد التقليدية.
■ وماذا أضاف تصميم الوحدة التعليمية إلى التجربة؟
الوحدة نقلت فكرة التصميم من الشاشة إلى البيئة المحيطة بالمستخدم.
فبدلًا من تصميم منصة ثم وضعها داخل أي مساحة، تم التفكير في المكان نفسه باعتباره جزءًا من تجربة المستخدم، كتصميم داخلي من البداية و من ثم الوحدة التفاعلية
ولهذا تتيح الوحدة التحكم في بعض العناصر مثل الإضاءة والصوت، بما يسمح بقدر أكبر من تخصيص بيئة التعلم وفق الاحتياجات الحسية والإدراكية المختلفة
■ أين يظهر مفهوم Accessibility؟
إمكانية الوصول ليست إضافة نضعها بعد انتهاء التصميم، وإنما يجب أن تكون جزءًا من التفكير التصميمي منذ البداية.
عندما نصمم، علينا ألا نفترض أن جميع المستخدمين يرون أو يدركون أو يتفاعلون مع المعلومات بالطريقة نفسها.
لذلك كان وضوح المعلومات، وبساطة الواجهات، وتنظيم الخطوات، وإمكانية التحكم في البيئة، وطلب المساعدة، والعودة والاستكمال، كلها عناصر مرتبطة بتقديم تجربة أكثر إتاحة.
■ بعد خمس سنوات من البحث.. ما الرسالة الأساسية التي تريدين أن يصل إليها المصممون؟
أن يتوقف المصمم قليلًا قبل أن يبدأ في رسم التصميم الفعلي على الورق، يفكر في المستخدم و احتياجاته الفعلية ومن هو المستخدم
تصميم تجربة المستخدم ليس شكلا جماليا مناسب ، والتصميم ليس اختيار ألوان وأشكال فقط.
التصميم يبدأ عندما نفهم الإنسان والمشكلة والسياق، ثم نحول هذا الفهم إلى قرارات؛ قد تكون منصة رقمية، أو واجهة، أو مساحة مادية، أو طريقة مختلفة تمامًا للتفاعل.
■ وإذا أردتِ تلخيص فلسفة الرسالة في جملة واحدة؟
«لا نبدأ التصميم بالسؤال: ماذا سنصمم؟.. بل نبدأ بالسؤال: ما المشكلة التي نريد حلها، ولمن نصمم هذا الحل؟».
وتقدم رسالة الباحثة نموذجًا لفكرة تتجاوز الحدود التقليدية بين تصميم المنتج المادي والمنتج الرقمي؛ فالمنصة والوحدة و التصميم الداخلي وواجهة الاستخدام وإمكانية الوصول ليست عناصر منفصلة، وإنما أجزاء من تجربة واحدة تبدأ بفهم المستخدم.
فالهدف في النهاية لم يكن إضافة التكنولوجيا إلى التعليم بقدر ما كان إعادة تصميم التجربة حول الإنسان؛ ليصبح التصميم أداة لحل المشكلة، والتكنولوجيا وسيلة لتنفيذ الحل، بينما يظل المستخدم هو نقطة البداية والنهاية.


إرسال تعليق