باب المندب واليمن .. هل تُدفع مصر إلىٰ الحرب تحت عنوان حماية أمنها القومي ؟
ما يحدث حول اليمن وباب المندب لا يجب قراءته باعتباره مجرد تطورات عسكرية متفرقة ، بل باعتباره مشهدًا إقليميًا شديد التعقيد تتداخل فيه المصالح والضغوط والحسابات الاستراتيجية .
فالسؤال هُنٰا ليس : هل صدر قرار بدخول مصر إلىٰ حرب ؟
لأن القرارات لا تسبق دائمًا صناعة الظروف التي قد تدفع إليها .
السؤال الأهم هو : هل تتشكل أمام مصر بيئة سياسية وعسكرية تجعل التدخل يبدو تدريجيًا وكأنه ضرورة لا يمكن تجنبها ؟
عندما نضع أمامنا رغبة السعودية في دور مصري أكبر داخل اليمن ، ومعها مطالبات يمنية بتدخل مصر ، ثم نضيف إلىٰ ذلك التهديد المتصاعد للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ، والخسائر التي يمكن أن تتعرض لها قناة السويس وحركة التجارة ، فإننا نكون أمام معادلة يجب التعامل معها بأقصىٰ درجات الحذر .
باب المندب ليس قضية بعيدة عن مصر ، بل يمثل أحد الممرات الاستراتيجية المرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري ، وأي تهديد حقيقي له ينعكس علىٰ البحر الأحمر وعلىٰ قناة السويس وعلىٰ المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية .
لكن هُنٰا يجب الفصل بوضوح بين أمرين ؛
حماية أمن مصر ومصالحها في البحر الأحمر أمر طبيعي وواجب لا نقاش حوله .
أما الانزلاق إلىٰ حرب مفتوحة داخل الأراضي اليمنية ، فهو أمر مختلف تمامًا .
فاليمن ليس مجرد ساحة عسكرية يمكن الدخول إليها والخروج منها بسهولة ، بل هو ساحة شديدة التعقيد ، تتداخل فيها الجغرافيا الصعبة والقوىٰ المحلية والانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية والمصالح الدولية .
وهُنٰا تكمن خطورة المشهد ؛
فالتوريط لا يشترط دائمًا وجود مؤامرة مكتوبة أو غرفة مغلقة يجلس فيها أطراف يتفقون علىٰ دفع دولة إلىٰ الحرب .
أحيانًا يكون التوريط نتيجة تلاقي مصالح وضغوط وأزمات ، تتجمع تدريجيًا لتصنع واقعًا يبدو فيه قرار التدخل هو الحل الوحيد .
الحوثيون يهددون الملاحة ، والبحر الأحمر يتعرض للضغط ، وباب المندب يصبح أكثر خطورة ، والسعودية تحتاج إلىٰ قوة إقليمية قادرة علىٰ تغيير المعادلة ، والحكومة اليمنية تطلب الدعم ، وقناة السويس تتأثر .
ثم يبدأ السؤال في التحول تدريجيًا من :
هل يجب أن تتدخل مصر ؟
إلى : كيف يمكن لمصر ألا تتدخل ؟
وهذه النقلة هي الأخطر ؛
لأن مصر تمتلك قوة عسكرية قادرة ، وثقلًا سياسيًا كبيرًا ، وموقعًا استراتيجيًا يجعلها طرفًا رئيسيًا في أمن البحر الأحمر .
ولهذا فإن قوة مصر قد تكون مطلوبة من أطراف كثيرة ، لكن يجب أن يبقىٰ القرار المصري مصريًا خالصًا ، تتحرك فيه الدولة وفق مصالحها هي ، وليس وفق رغبات الآخرين أو حساباتهم .
ومصر تدرك جيدًا أن حماية باب المندب لا تعني بالضرورة الدخول إلىٰ مستنقع الحرب اليمنية .
فالدولة المصرية تمتلك أدوات متعددة لحماية أمنها القومي ، من القوة البحرية والجوية إلىٰ التنسيق الأمني والاستخباراتي ، ومن التحركات الدبلوماسية إلىٰ بناء التفاهمات والتحالفات التي تحقق الهدف دون التورط في صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنتائجه .
ومن يقرأ التاريخ يدرك أن القيادة المصرية تعرف جيدًا الفارق بين القوة وبين استخدام القوة .
القوة الحقيقية ليست في الدخول إلىٰ كل معركة ، بل في القدرة علىٰ تحديد متىٰ يكون الدخول ضروريًا ، ومتىٰ يكون ضبط النفس هو القرار الأقوىٰ ، وكيف تتحرك الدولة لتحقيق أهدافها دون أن تسمح لأحد بأن يفرض عليها ساحة المعركة أو توقيت المواجهة .
وهُنٰا تحديدًا تظهر قيمة الدولة المصرية واحترافية دبلوماسيتها .
فمصر لا تتحرك بردود الأفعال ، ولا تنجرف خلف الضغوط الإعلامية أو السياسية ، ولا تتخذ قرارات الحرب والسلم تحت تأثير الانفعال أو رغبات الآخرين .
القرار في مصر تحكمه حسابات الأمن القومي ، وتقدير الموقف ، وقراءة دقيقة لما وراء الأحداث .
والرئيس "عبد الفتاح السيسي" أثبت خلال سنوات شديدة الاضطراب أن القدرة علىٰ اتخاذ القرار لا تعني التسرع ، وأن القوة لا تعني الاندفاع ، وأن حماية الدولة قد تتطلب في بعض اللحظات قرارًا بالحركة ، كما قد تتطلب في لحظات أخرى قرارًا بعدم الانجرار إلىٰ ما يريده الآخرون .
مصر تعرف قيمة قوتها ؛
وتعرف أن قوتها ليست ملكًا لأي طرف ، ولا يجب أن تتحوَّل إلىٰ أداة لتحقيق أهداف الآخرين .
كما نعرف أن أمن باب المندب جزء من أمنها القومي ، لكنها وحدها من تحدد شكل الدفاع عن هذا الأمن ، وحدود التحرك ، وتوقيته ، وأدواته .
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في المرحلة القادمة ليس :
هل ستدخل مصر الحرب ؟
بل : هل هناك من يحاول صناعة ظروف تجعل دخول مصر إلىٰ الحرب يبدو وكأنه الطريق الوحيد ؟
وهُنٰا يجب أن تكون القراءة دقيقة ؛
قد تكون هناك أطراف تحتاج إلىٰ القوة المصرية ، وأطراف أخرىٰ تحتاج إلىٰ الدور المصري ، وقوىٰ دولية ترغب في توزيع تكلفة المواجهة ، لكن الدولة المصرية ليست دولة يمكن دفعها إلىٰ قرار مصيري عبر الضغوط أو صناعة الأزمات .
مصر تملك القدرة على حماية مصالحها ؛
وتملك القوة عندما يكون استخدام القوة ضرورة .
وتملك الدبلوماسية عندما تكون الدبلوماسية هي الطريق الأكثر تحقيقًا للأهداف .
والأهم أنها تملك قيادة تعرف جيدًا أن قرار الحرب ليس مجرد قرار بالدخول ، بل مسؤولية كاملة عن النتائج ، وعن توقيت النهاية ، وعن مستقبل الدولة بعد انتهاء المعركة .
لذلك ؛ فإن كل ما يجري حول اليمن وباب المندب يجب مراقبته بعين مفتوحة ، وقراءته بما وراء العناوين .
لكن الثابت أن مصر لن تنجرف إلىٰ حرب لأن الآخرين يريدونها أن تفعل .
ومصر لن تتخلَّىٰ عن أمنها القومي لأن الآخرين يفضلون أن تبقىٰ بعيدة .
مصر هي من تحدد متى تتحرك ، وكيف تتحرك ، ولماذا تتحرك .
وتلك هي المعادلة التي يجب أن يفهمها الجميع .
............ ....... ...........
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

إرسال تعليق