الحياة دراجة هوائية: طرق تتقاطع، وأشخاص نلتقيهم، ورحلة من الوحدة إلى الحق في التواصل الإنساني
بقلم: الدوقة نيفين الجمل
منحتني محادثة جرت مؤخرًا مع صديقتي «م» طريقة جديدة للنظر إلى الحياة.
وصفت لي «م» الحياة كما لو أن كل واحد منا يقود دراجته الهوائية الخاصة.
منذ لحظة ميلادنا، نبدأ السير على طريقنا الخاص. الدراجة ملك لنا، والرحلة رحلتنا. نستمر في التقدم عبر مراحل الطفولة والرشد والشيخوخة إلى أن تصل رحلتنا، في نهاية المطاف، إلى نهايتها.
لكن طريقنا لا يكون خاليًا تمامًا أبدًا.
طلبت مني «م» أن أتخيل أشخاصًا آخرين يقودون دراجاتهم الخاصة، ويسير كل منهم على طريقه. وفي لحظات مختلفة، تتقاطع طرقهم مع طريقنا.
عادةً ما يكون أفراد عائلتنا أول من يسير بالقرب منا. فالوالدان والإخوة والأخوات والأقارب يشكّلون بعضًا من أولى روابطنا الإنسانية.
ومع تقدمنا في العمر، يزداد عدد الطرق التي تتقاطع مع طريقنا.
نكوّن الصداقات، ونقع في الحب، وقد نتزوج أو ندخل في علاقات شراكة. ونقيم علاقات حميمة، ويُرزق بعضنا بالأطفال. ندرس ونعمل ونسافر ونشارك في حياة مجتمعاتنا.
وفي أثناء الرحلة، نلتقي بالمعلمين والزملاء والجيران، وبأشخاص ربما جمعتنا بهم المصادفة من خلال مناسبة أو ظرف ما.
كل شخص يقود دراجته الخاصة.
وقد تسير دراجتان جنبًا إلى جنب لبعض الوقت.
ثم قد يفترق الطريقان.
يعبر بعض الأشخاص طريقنا لفترة قصيرة إلى درجة أننا بالكاد نتذكرهم مع مرور الزمن.
بينما يبقى آخرون في ذاكرتنا.
بعضهم يترك وراءه السعادة.
وبعضهم يترك الألم.
بعضهم يعلمنا شيئًا عن أنفسنا.
وبعضهم يترك أثرًا يرافقنا حتى نهاية رحلتنا.
وفي بعض الأحيان، يفعل شخص ما أكثر من مجرد عبور طريقنا.
إنه يغير اتجاهه.
قد يشجعنا شخص على سلوك طريق لم نكن نتخيله يومًا.
وقد يجعلنا شخص آخر نتوقف.
وقد يدفعنا أحدهم إلى الرجوع إلى الخلف.
وقد يضللنا شخص ما.
بينما قد يظهر شخص آخر في اللحظة المناسبة تمامًا، فيساعدنا على استعادة اتجاهنا من جديد.
ومهما حدث، نظل في النهاية مسؤولين عن دراجتنا الخاصة.
بقيت صورة «م» البسيطة عالقة في ذهني.
وكلما فكرت فيها، بدأت أربط تشبيهها بموضوع أبحث فيه منذ فترة: الوحدة والتواصل الاجتماعي.
عندما تختفي الدراجات الأخرى
إذا كانت الحياة رحلة على دراجة هوائية، فماذا يحدث عندما تبدأ الطرق المحيطة بنا في الفراغ تدريجيًا؟
وماذا يحدث عندما لا يعود الأشخاص الذين كانوا يسيرون إلى جانبنا موجودين؟
يكبر الطفل ويغادر منزل الأسر
ينتهي زواج أو تنتهي علاقة.
يتوفى زوج أو زوجة أو شريك حياة.
تنتهي صداقة.
يتقاعد شخص ما، فيفقد العلاقات اليومية التي كان يوفرها له العمل.
ينتقل شخص إلى بلد آخر، فيجد نفسه بعيدًا عن عائلته ولغته ومجتمعه.
وقد تجعل الشيخوخة أو الإعاقة أو المرض أو الفقر أو البيئات غير المهيأة المشاركة في الحياة المجتمعية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
لم تتوقف الدراجة.
فالشخص ما زال يواصل رحلته في الحياة.
لكن قد يصبح عدد الدراجات التي تسير إلى جانبه أقل بصورة مفاجئة.
وهنا قادني تشبيه «م» إلى سؤال أعمق:
في أي لحظة يتحول وجود الإنسان بمفرده إلى شعور بالوحدة؟ ومتى تتحول الوحدة إلى عزلة اجتماعية؟
الوجود منفردًا لا يعني الشعور بالوحدة
هذا التمييز بالغ الأهمية.
تعرّف منظمة الصحة العالمية الوحدة بأنها شعور ذاتي مؤلم ينشأ عن وجود فجوة بين الروابط الاجتماعية التي يتمتع بها الإنسان وتلك التي يريدها أو يحتاج إليها. أما العزلة الاجتماعية فهي أمر مختلف، إذ تصف الوضع الفعلي الذي يفتقر فيه الإنسان إلى عدد كافٍ من العلاقات أو الأدوار أو التفاعلات الاجتماعية.
لذلك، قد يقود شخص دراجته منفردًا ويكون راضيًا تمامًا.
وفي المقابل، قد تحيط بشخص آخر عشرات الدراجات، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة.
فعدد الأشخاص المحيطين بنا لا يعبّر بالضرورة عن جودة التواصل الإنساني الذي نحظى به.
ولهذا أؤمن بضرورة توخي الحذر الشديد عند الحديث عن الوحدة.
قد تكون الخلوة اختيارًا، أما العزلة فقد لا تكون كذلك.
قد يستمتع الإنسان حقًا بالعيش باستقلالية، وقضاء الوقت بمفرده، والقراءة والتفكير والإبداع، أو ببساطة الاستمتاع بالهدوء والسلام.
ويجب احترام هذه الحرية.
لكن الوضع يختلف تمامًا عندما يتوق شخص إلى التواصل الإنساني، ثم يكتشف أن الطرق المؤدية إلى الآخرين قد اختفت فعليًا.
لم تعد الوحدة شأنًا خاصًا فقط
على مدى أجيال، كان يُنظر إلى الوحدة غالبًا بوصفها مسألة شخصية عميقة: حزنًا أو فَقْدًا أو عزلة، أو مجرد جانب مؤسف من جوانب الحياة.
لكن الأدلة المتاحة اليوم تفرض علينا النظر إليها بطريقة مختلفة.
أفادت لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالتواصل الاجتماعي في عام 2025 بأن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص حول العالم يعاني الوحدة. كما تقدّر المنظمة أن الوحدة ترتبط بنحو 871 ألف وفاة سنويًا، وتربط الانفصال الاجتماعي بعواقب خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية.
ويدعو التقرير التاريخي للمنظمة، «من الوحدة إلى التواصل الاجتماعي: رسم طريق نحو مجتمعات أكثر صحة»، إلى التعامل مع الصحة الاجتماعية بقدر أكبر كثيرًا من الجدية، إلى جانب الصحة الجسدية والنفسية.
ولعل ما حدث قبل نشر ذلك التقرير بوقت قصير كان أكثر أهمية.
ففي مايو 2025، اعتمدت جمعية الصحة العالمية القرار رقم WHA78.9 بشأن التواصل الاجتماعي. واعترف القرار بالتواصل الاجتماعي باعتباره أحد المحددات الاجتماعية للصحة، وحث الدول الأعضاء على وضع سياسات واستراتيجيات قائمة على الأدلة لمعالجة قضايا التواصل الاجتماعي والوحدة والعزلة الاجتماعية.
وهذا يغير طبيعة النقاش.
فالوحدة تظل تجربة إنسانية شخصية وعميقة، لكن الانفصال الاجتماعي أصبح يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره أيضًا قضية من قضايا الصحة العامة والسياسات العامة.
وبالنسبة إليّ، يتمثل السؤال التالي في ما إذا كان ينبغي أن يصبح بصورة متزايدة قضية من قضايا حقوق الإنسان أيضًا.
علاقتي بدراجة «م»
هنا تلتقي دراجة «م» مع عملي الخاص بشأن الوحدة.
لا نستطيع التحكم في كل شخص يعبر طريق شخص آخر.
ولا تستطيع الحكومة أن تمنح الإنسان صديقًا مقرّبًا.
ولا يستطيع البرلمان أن يسن قانونًا صنع الحب.
ولا تستطيع محكمة أن تأمر إنسانًا آخر بأن يهتم بنا.
ولا يمكن لأي منظمة دولية أن تضمن ألا يشعر الإنسان بالوحدة يومًا.
كما لا ينبغي للحكومة أن تقرر عدد الأصدقاء الذين يجب أن يكونوا في حياتنا، أو مع من ينبغي أن نعيش، أو ما إذا كان يحق لنا قضاء الوقت بمفردنا.
فالكرامة الإنسانية تشمل الحرية الشخصية.
لكن يمكن للحكومات أن تنظر في ما إذا كانت الطرق المؤدية إلى التواصل لا تزال مفتوحة.
إذا أراد شخص مسن المشاركة في الحياة المجتمعية، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها بسبب وسائل نقل غير مهيأة، فهل تكون عزلته مشكلة شخصية بحتة؟
وإذا أراد شخص من ذوي الإعاقة المشاركة في المجتمع، لكنه لم يحصل على الدعم الملائم، فهل ينبغي لنا أن نكتفي بوصفه بأنه شخص وحيد؟
وإذا كانت ظروف السكن أو الفقر أو التمييز أو البيئات غير المهيأة أو الهياكل المؤسسية تمنع شخصًا مرارًا من المشاركة في الحياة المجتمعية، فأين تنتهي المسؤولية الفردية وأين تبدأ المسؤولية الاجتماعية؟
هذه هي الأسئلة التي تشغل اهتمامي.
الحق في فتح الباب
لا يتمثل رأيي، إذن، في ضرورة إنشاء حق يضمن للإنسان ألا يشعر بالوحدة أبدًا.
فضمان مثل هذا الحق أمر مستحيل.
ما يشغلني هو أمر مختلف.
يجب أن يتمتع الإنسان بحرية إغلاق بابه والاستمتاع بالخلوة، لكن ينبغي أن تكون لديه أيضًا فرصة معقولة لفتح ذلك الباب والمشاركة في المجتمع.
يقع هذا المبدأ في صميم تفكيري بشأن الوحدة.
ولذلك، تستند مقترحات السياسات التي أعمل على تطويرها إلى المشاركة الطوعية والحرية الشخصية والكرامة الإنسانية والمساواة والمسؤولية المجتمعية. وهي لا تهدف إلى استبدال الحياة المستقلة أو الحياة الأسرية التقليدية، بل إلى توسيع فرص الناس في التواصل مع الحفاظ على حرية الاختيار والخصوصية.
وهذا التمييز جوهري.
لا ينبغي لنا أن نجبر الناس على ركوب دراجات بعضهم بعضًا.
بل ينبغي أن نضمن ألا يُمنع من يريد التواصل من العثور على طريق يقوده إليه.
من الصحة العامة إلى حقوق الإنسان
بدأ هذا السؤال الآن يؤثر في جانب آخر من تفكيري، وهو القانون الدولي.
إذا كان المجتمع الدولي يقر بصورة متزايدة بأن الانفصال الاجتماعي يمكن أن يؤثر في الصحة الجسدية والنفسية، وفي المشاركة والرفاه الإنساني، فينبغي أن نبدأ في التساؤل عما إذا كان القانون الدولي القائم لحقوق الإنسان يوفر حماية كافية من العزلة الاجتماعية الشديدة وغير الطوعية.
لا أقترح أن القانون الدولي يتضمن حاليًا حقًا قانون

إرسال تعليق