المحليات.. بين فرصة الإصلاح وتحدي الاختيار بقلم / مصطفى الحداد

 لم تعد انتخابات المجالس المحلية مجرد استحقاق دستوري ينتظر الجميع موعده، بل أصبحت أحد أهم الاختبارات السياسية والإدارية التي ستحدد ملامح الإدارة المحلية خلال السنوات المقبلة. فبعد سنوات من غياب المجالس المحلية المنتخبة، تأتي الانتخابات المرتقبة في وقت تشهد فيه الدولة المصرية طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية والتنمية، وهو ما يفرض وجود مجالس محلية قادرة على مواكبة هذه المرحلة، لا الاكتفاء بدور شكلي لا يحقق الغاية التي نص عليها الدستور.

وقد أكد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، وآخرها خلال افتتاح الكيان العسكري، أهمية الإسراع في استكمال انتخابات المحليات، باعتبارها جزءًا أساسيًا من استكمال بناء مؤسسات الدولة، وإيمانًا بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بوجود إدارة محلية قوية تمارس دورها في الرقابة، وتنقل احتياجات المواطنين، وتتابع تنفيذ المشروعات على أرض الواقع.

غير أن نجاح هذه التجربة لن يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات، وإنما بحسن الاختيار. فالمجالس المحلية ليست ساحة للوجاهة الاجتماعية أو لتحقيق المكاسب السياسية، وإنما هي مؤسسة رقابية وخدمية تتطلب كوادر تمتلك العلم والخبرة، والقدرة على التواصل مع المواطنين، والإلمام بالقانون والإدارة والعمل العام، مع الإيمان بقيمة التطوع من أجل الصالح العام، والإسهام في النهوض بالدولة، والحفاظ على مقدراتها والمال العام.

ومن هذا المنطلق، تبرز قضية تمكين الشباب، ليس باعتبارها شعارًا سياسيًا، وإنما باعتبارها ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فقد استثمرت الدولة خلال السنوات الماضية في إعداد وتأهيل آلاف الشباب عبر برامج تدريبية متنوعة، وأصبح من الطبيعي أن ينعكس هذا الاستثمار على تشكيل المجالس المحلية، وأن تُمنح الكفاءات الشابة الفرصة للمشاركة الحقيقية في صناعة القرار المحلي.

إلا أن تمكين الشباب لا ينبغي أن يُفهم على أنه الدفع بأي شاب لمجرد حداثة السن، وإنما المقصود هو تمكين الشباب المؤهل علميًا وعمليًا، بعد إعداد كافٍ يتناسب مع حجم المسؤولية ومتطلبات المرحلة. فالمجالس المحلية تحتاج إلى كوادر تمتلك رؤية واضحة، وتعرف كيف تمارس الرقابة، وكيف تقدم حلولًا عملية للمشكلات اليومية، بعيدًا عن الشعارات والوعود التي تنتهي بانتهاء الحملات الانتخابية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه التجربة هو أن تتحول المجالس المحلية إلى تشكيلات صورية تُستكمل بها الهياكل الإدارية، دون أن يشعر المواطن بأي تحسن حقيقي في مستوى الخدمات أو الرقابة أو الأداء. فوجود مجلس محلي بلا فاعلية لا يحقق الهدف من إنشائه، ولا يضيف شيئًا لمسيرة التنمية.

إن المطلوب اليوم هو مجالس تعمل من الميدان، وتقترب من المواطنين، وتستمع إلى مطالبهم، وتتابع تنفيذ المشروعات، وتحاسب المقصر، وتقترح الحلول، وتكون شريكًا حقيقيًا للسلطة التنفيذية في تحقيق التنمية، لا مجرد متفرج عليها.

ولذلك، فإن نجاح انتخابات المحليات لن يُقاس بنسبة المشاركة وحدها، وإنما بنوعية من يصلون إلى هذه المجالس، ومدى قدرتهم على تحويل النصوص القانونية إلى واقع ينعكس أثره في حياة المواطن اليومية.

فالمحليات ليست نهاية طريق سياسي، بل هي بداية حقيقية لبناء قيادات وطنية جديدة تمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية. وإذا أُحسن الاختيار اليوم، فإن الدولة ستحصد غدًا كوادر قادرة على قيادة المستقبل، وتعزيز مسيرة التنمية، وترسيخ مبادئ الإدارة الرشيدة.

ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة صناديق اقتراع، وإنما معركة اختيار. فحسن الاختيار سيظل الضمانة الأولى لنجاح المجالس المحلية، وتحقيق أهدافها، وجني ثمارها لصالح المواطن والدولة.

Post a Comment

أحدث أقدم