فن الاختلاف المفقود: كيف تحوّل الرأي إلى معركة والعلاقة إلى ضحية بقلم الاعلامي هاني عبدالله

 


فن الاختلاف المفقود: كيف تحوّل 

الرأي إلى معركة والعلاقة إلى ضحية

بقلم الاعلامي هاني عبدالله ✍🏻

الاختلاف سنة كونية لا يمكن إنكارها، وهو في جوهره علامة صحة وحيوية في أي مجتمع حيّ. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، بل في طريقة إدارته. ففي كثير من مجتمعاتنا، لم يعد الاختلاف مساحة للنقاش، بل ساحة صراع، ولم يعد الرأي وجهة نظر، بل سلاحًا يُستخدم لإقصاء الآخر وتشويه صورته.

ما نشهده اليوم ليس خلافًا فكريًا طبيعيًا، بل أزمة في أخلاق الاختلاف. أصبح من السهل أن نختلف، لكن من الصعب أن نحافظ على الاحترام. تحوّلت النقاشات إلى محاكمات، والحوارات إلى اتهامات، وكأن قبول الرأي الآخر تهديد للذات لا إثراء لها. هذه الحالة أفرزت مجتمعًا متوترًا، سريع الاشتعال، قليل الصبر، فاقدًا للإنصات.

أحد الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة هو الخلط بين الفكرة وصاحبها. حين ينتقد الإنسان فكرة ما، يُفهم ذلك على أنه هجوم شخصي، فيتحول الدفاع عن الرأي إلى دفاع عن الكرامة. ومع هذا الخلط، يصبح التراجع هزيمة، والاعتراف بالخطأ ضعفًا، والاستماع خضوعًا. وهنا يموت الحوار، لأن الحوار لا يعيش في بيئة تخاف من المراجعة.

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة. المنصات التي كان من المفترض أن تقرّب المسافات، خلقت مساحات مفتوحة للصدام المستمر. سرعة النشر، غياب لغة الجسد، وسهولة التجريح، كلها عوامل جعلت الكلمة أقسى، ورد الفعل أعنف، والخلاف أسرع في التحول إلى قطيعة. ومع الوقت، اعتاد الناس الصوت العالي، ونسوا قيمة الحجة الهادئة.

هناك أيضًا ضعف في التربية على الاختلاف. كثيرون نشأوا في بيئات لا تعلّم الحوار، بل الطاعة أو الرفض. إما أن توافق أو تُدان. هذا النمط التربوي أنتج أفرادًا لا يجيدون النقاش، لأنهم لم يتعلموا أن الخلاف لا يعني العداء، وأن الاتفاق ليس شرطًا للمحبة. فكبروا وهم يرون العلاقات ساحة اختبار دائم للولاء الفكري.

المفارقة أن هذا العجز عن إدارة الاختلاف انعكس سلبًا على العلاقات الإنسانية. صداقات انتهت، روابط عائلية تصدعت، علاقات عمل توترت، ليس بسبب قضايا مصيرية، بل بسبب آراء، أو مواقف، أو تعليقات كان يمكن احتواؤها لو وُجد قدر من الحكمة. وهكذا دفعنا ثمنًا اجتماعيًا باهظًا مقابل تمسكنا بطريقة خاطئة في التعبير عن آرائنا.

أما الحل، فلا يبدأ بالصمت ولا بالتنازل عن القناعات، بل بإعادة تعريف معنى الاختلاف. الاختلاف لا يُلغي الاحترام، ولا يسقط الإنسانية، ولا يبرر الإهانة. هو مساحة للتعلّم، لا منصة للإقصاء. والإنسان الواثق من فكرته لا يحتاج إلى رفع صوته، بل إلى وضوح منطقه.

كما أن الإنصات مهارة غائبة يجب استعادتها. الاستماع لا يعني الموافقة، لكنه يعني الاعتراف بوجود الآخر. وحين يشعر الإنسان أنه مسموع، يقلّ توتره، ويصبح أكثر استعدادًا للنقاش. كثير من الخلافات لا تحتاج إلى حلول معقدة، بل إلى أذن صادقة وعقل مفتوح.

في النهاية، المجتمع الذي لا يجيد فن الاختلاف، محكوم عليه بالانقسام الدائم. أما المجتمع الذي يتعلّم كيف يختلف دون أن يتخاصم، فهو مجتمع قادر على التعايش، والتطور، وبناء علاقات إنسانية متماسكة. لأن الفكرة قد تتغير، لكن العلاقة إن انكسرت، يصعب ترميمها.

Post a Comment

أحدث أقدم