سوق المحتوى في مصر: عبودية "التريند" واغتيال الوعي

سوق المحتوى في مصر: عبودية "التريند" واغتيال الوعي

بقلم  (علاء محسن )

​لم تعد صناعة المحتوى في مصر مجرد وسيلة للتعبير أو الترفيه، بل تحولت في أغلبها إلى "سيرك رقمي" مفتوح، حيث تُباع الخصوصية وتُشوه الذائقة العامة مقابل حفنة من الدولارات وسعار "المشاهدات". نحن أمام حالة من الانفلات الإبداعي الذي يتطلب وقفة نقدية قاسية لتشريح هذا الجسد الذي تنهشه خوارزميات المنصات.
​أولاً: دكتاتورية "اللايك" والابتذال الممنهج
​المشكلة الكبرى اليوم هي أن "الخوارزمية" باتت هي رئيس التحرير الحقيقي. صانع المحتوى لم يعد يسأل: "ماذا سأقدم؟"، بل يسأل: "ماذا يركب التريند؟". هذا السعي المحموم أنتج لنا جيلاً من "تجار التفاهة" الذين يعتمدون على "الصدمة" (Shock Factor) لا على الجودة. لقد استبدلنا المثقف بصاحب "الفضيحة"، والمبدع بصاحب "الإفيه المستهلك"، حتى أصبح الابتذال هو العملة الوحيدة الرابحة في سوق المنافسة.
​ثانياً: اقتصاد "اليوميات" وقوادة الخصوصية
​أخطر ما يواجهنا هو تحول "البيت المصري" إلى "استوديو مفتوح". لقد رأينا تآكلاً مخيفاً لخصوصية العائلة المصرية تحت مسمى "الفلوجز" ويوميات "حمدي ووفاء" وأشباههم. إنها عملية "تسليع للذات"؛ حيث تُباع لحظات الحزن والفرح، والخناقات الزوجية، وحتى غرف النوم، في مزاد علني للمشاهدين. هذا ليس محتوى، هذا "استجداء إلكتروني" يغلف بلفافة الترفيه، وهو يدمر مفهوم الحياء الاجتماعي والقيم الأسرية في صميمها.
​ثالثاً: وهم "المؤثرين" وفراغ المحتوى
​أصبح لقب "بلوجر" أو "إنفلونسر" يُمنح لكل من ملك هاتفاً وحساباً، دون اشتراط وجود موهبة أو علم أو حتى "كاريزما". نحن أمام جيش من المؤثرين الذين "يؤثرون في لا شيء"، يقدمون نصائح طبية بلا شهادات، وتحليلات سياسية بلا فهم، وتوجيهات نفسية تزيد من أمراض المجتمع. إنها "سيادة التافهين" –كما وصفها آلان دونو– حيث يُدفع بالمبدعين الحقيقيين إلى الظل، لأنهم لا يجيدون الرقص على حبال الإثارة.
​رابعاً: "التيك توك" وتسطيح العقل الجمعي
​لقد ساهمت الفيديوهات القصيرة في خلق حالة من "تشتت الانتباه المزمن". المقال العميق، الفيديو الوثائقي الرصين، والبحث الجاد، كلها بضاعة كاسدة أمام فيديو مدته 15 ثانية يعتمد على السخرية من الآخرين أو التنمر المبطن. السينما المصرية التي علّمت العرب "الفن" تُهان اليوم بمقارنتها بمحتوى "التيك توك" الذي يُبنى على ثقافة الاستسهال والسرعة.
​خامساً: بصيص النور وسط العتمة
​رغم هذا السواد، تظل هناك قلاع صامدة. صناع محتوى (مثل الدحيح، أو قنوات تبسيط العلوم، والبودكاست الاستقصائي) يثبتون أن الجمهور المصري لا يزال متعطشاً للجودة. هؤلاء هم "المقاومة" الحقيقية ضد تيار التفاهة، وهم الدليل على أن العيب ليس في الجمهور دائماً، بل في "البضاعة" التي تُفرض عليه.
​كلمة أخيرة: صرخة في وجه الفوضى
​إن ما يحدث في صناعة المحتوى في مصر ليس مجرد تطور تكنولوجي، بل هو اختبار أخلاقي. إذا استمر صانع المحتوى في كونه عبداً للخوارزمية، والجمهور في كونه مستهلكاً سلبياً لكل ما هو تافه، فإننا نحكم على هويتنا الثقافية بالإعدام. نحتاج إلى "ميثاق شرف رقمي" غير مكتوب، يقوده الوعي الجماهيري قبل الرقابة القانونية.

Post a Comment

أحدث أقدم